حسن الأمين

193

مستدركات أعيان الشيعة

وتتابعت المصاعب على « مشير الدولة » فاضرب حراس طهران الليليون وتركوا مواقع حراستهم اعتراضا على تأخير رواتبهم . وتشكل وفد من مائة رجل تقريبا من أصحاب الصناعات والتجار والأعيان واجتمعوا برئيس الوزارة وباحثوه في موضوع المتحصنين في مقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) وفي المجلس النيابي وفي السفارة السوفياتية ، وسألوه عما فعلته الحكومة للخلاص من مثل هذه الأحداث . وانفرد به بضعة رجال منهم ، وشكوا إليه ، في السر ، ما يلقاه الناس من تحكم وزير الحربية وتعدياته على الحريات . فلم يستطع رئيس الوزارة أن يجيب بقول حاسم سوى الوعد ببذل كل الجهود الممكنة لاصلاح الوضع . وفي أواخر شهر شعبان سنة 1340 ه‍ . ق . استدعى « رضا خان » أحد كبار الواعظين ، وكان له منبر للوعظ في المسجد الجامع ، وطلب منه أن بثني عليه ويدعو له في مواعظه التي يلقيها في شهر رمضان [ ] 1340 ، وأعطاه مبلغا من المال . فرفض الواعظ المال وقال له : أنا لا أتدخل في شؤون السياسة . وفي أوائل رمضان [ ] 1340 أرسل إليه « رضا خان » ، وهو يعظ على المنبر ، ورقة يأمره فيها بالتوقف عن صعود المنبر . فكتب الواعظ على حاشية الورقة « سمعا وطاعة » ، وأعادها إليه ونزل عن المنبر . وفي أوائل شهر رمضان [ ] 1340 من تلك السنة أخذ الناس يتجمعون كل يوم في « مسجد الشاه » و « مسجد سبهسالار » وهما من أكبر مساجد طهران ، على عادتهم في هذا الشهر . فأراد بعض أنصار « رضا خان » استغلال هذه التجمعات فوقفوا يخطبون الناس في « مسجد الشاه » منددين برئيس الوزارة . ولكن الشرطة أسكتتهم وساقتهم إلى المخفر . ووقف آخرون منهم يخطبون في « مسجد سبهسالار » بالثناء على « رضا خان » وتمجيده ، ولكن الحاضرين أخذوا يرفعون أصواتهم متواصلة بالصلوات على النبي ( ص ) فحجبوا أصوات الخطباء عن الأسماع . وذكرت إحدى الصحف أن رئيس دار السلاح ارتكب اختلاسات . واستنكرت قيام بعض الضباط باستغلال مناصبهم لمنافعهم الشخصية . وكان كلام الصحيفة ينال « رضا خان » بشيء من الشبهة . فطلب هذا من رئيس الوزارة تعطيل تلك الجريدة التي نشرت الخبر فرفض طلبه . فأرسل إليه مع أحد كبار الضباط ثم مع حاكم طهران العسكري ينذره : إما أن تعطل الجريدة وإما أن أقطع عليك الطريق إلى السراي . فلم يجد « مشير الدولة » بدا من الاستقالة . فاستقال في العاشر من شهر رمضان سنة 1340 ه‍ . ق . الموافق 18 أرديبهشت سنة 1301 ه‍ . ش . وأرسل باستقالته برقيا إلى أوروبا إلى الشاه . ولكن « رضا خان » ذهب ليلة الرابع عشر من رمضان [ ] 1340 إلى المجلس النيابي . واجتمع بأعضاء لجنة كان « مشير الدولة » قد طلب قبل استقالته ، تشكيلها من النواب لمشاركة الوزارة في النظر في إيجاد حلول للمشاكل القائمة . وذكر « رضا خان » لهم أن في الأمر سوء تفاهم . وأن رسالته لم تكن على النحو المذكور . وأن الذي قاله في رسالته هو أن الجريدة إذا لم تعطل وظل الصحفيون يكتبون بهذا الأسلوب فسيقطعون علينا الطريق إلى السراي . وأعلنهم بأنه لا يمكن أن يخالف إرادة المجلس النيابي وطريقته هي إطاعة كل أمر يقرره هذا المجلس . ذهب وفد من النواب إلى منزل « مشير الدولة » وأبلغوه هذا التوضيح فقبله . وطلبوا منه العدول عن الاستقالة فرفض . وبعد مداولات طويلة وإصرار من المجلس النيابي ومن الشاه على « مشير الدولة » بان يعيد تشكيل الوزارة أذعن لهم وبدأ مشاورته . وفي أثناء هذه المشاورات اجتمع ب « رضا خان » مساء الخامس والعشرين من رمضان سنة 1340 ه‍ . ق . الموافق 1 خرداد سنة 1301 ه‍ . ش . ودام اجتماعهما إلى ما بعد منتصف الليل . وفي اليوم التالي عاد « مشير الدولة » فاستقال مرة ثانية . وقيل إن سبب استقالته هو أن « رضا خان » أراد أن يفرض عليه تولية بعض القرارات لمن يختارهم « رضا خان » . وكان « مشير الدولة » غير قادر على قبول هذا الطلب لأن ذلك يجعله مقيدا بإرادة وزير الحربية . وكان غير قادر على الرفض إذ لا قبل له بمخالفة « رضا خان » ، فاستقال في السادس والعشرين من رمضان سنة 1340 ه‍ . ق . الموافق 2 خرداد سنة 1301 ه‍ . ش . وزارة قوام السلطنة وقر الرأي ، بعد مداولات طويلة معقدة ، على تكليف « قوام السلطنة » بتشكيل الوزارة . فشكلها في 18 رمضان سنة 1340 ه‍ . ق . الموافق 26 خرداد سنة 1301 ه‍ . ش . وظل « رضا خان » وزيرا للحربية فيها . وفي 30 خرداد من تلك السنة سير « رضا خان » جيشا إلى إقليم « لورستان » لاخضاع قبائله . ودامت محاربته لهم إلى سنة 1307 ه‍ . ش . إذ تم إخضاعهم وتجريدهم من السلاح . وسير جيشا إلى أذربيجان لاخضاع الأكراد المتمردين . فتغلب عليهم وفتح في 20 مرداد سنة 1301 ه‍ . ش . قلعة « جهريق » الجبكية أمنع حصونهم . وكان الأكراد يعدونها دائما حصنا لا يقهر . كان لهذا الفتح دوي عظيم في كل نواحي إيران . فتواترت برقيات التهنئة على رئيس الوزارة ووزير الحربية من كل الولايات ، وأقيمت مظاهر الزينة والاحتفال في أكثر المدن . واحتفل « رضا خان » بهذا النصر بإقامة عرض عسكري فخم في 28 مرداد [ ] 1301 من تلك السنة في العاصمة واشترك فيه جميع الضباط وألقى « رضا خان » خطابا منمقا مطولا . وظهرت في عهد وزارة « قوام السلطنة » الجديدة تعليقات وانتقادات في بعض الصحف منبعثة من تحريكات أجنبية وداخلية مشبوهة ، منها تعليقات متناقضة على موافقة المجلس ، في عهد وزارة « قوام السلطنة » السابقة ، على منح شركة أميركية امتياز استخراج نفط الشمال ، ومنها طعن في الأسرة القاجارية و « أحمد شاه » ، ووصفه بأنه رجل لعب ولهو تافه . ( 1 ) وأمثال ذلك مما يراد به التشويش على وزارة « قوام السلطنة » والشاه . ولهذا أنذر رئيس الوزارة أصحاب الصحف ببيان رسمي بان يمتنعوا عن تجاوز

--> ( 1 ) كان « أحمد شاه قاجار » من خيرة الملوك الذين حكموا إيران . كان رجل جد وثقافة ومطالعة . تنزه عن كل المعائب والمظالم التي ارتكبها كثير من أسلافه . لم يشرب خمرا ولا انصرف إلى النساء ولا امتدت كفه إلى تناول رشوة ولا تلطخت يده بدم بريء دمقراطي عف اليدين . ويكره مظاهر الفخفخة والغطرسة . حريص على ترسيخ النظام الدستوري النيابي . مسلم ثابت الايمان .